السيد محمد باقر الصدر
141
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
انهار الهرم كلّه . وهذا الدليل لا قيمة له للأسباب الآتية : أوّلًا - أنّ المعارف البشرية لا ترتكز كلّها على الحسّ والتجربة ؛ لأنّ المذهب العقلي الذي درسناه في الجزء السابق من المسألة - المصدر الأساسي للمعرفة - يقرّر وجود معارف أوّلية ضرورية للعقل البشري ، وهذه المعارف الضرورية لم تنشأ من الحسّ ، ولا يبدو فيها شيء من التناقضات مطلقاً ، فلا يمكن اقتلاع هذه المعارف بالعاصفة التي تثار على الحسّ والإدراكات الحسّية ، وما دمنا نملك معارف في منجاة عن العاصفة فمن الميسور أن نقيم على أساسها معرفة موضوعية صحيحة . ثانياً - أنّ هذا الدليل يتناقض مع القاعدة الفلسفية لمثالية ( باركلي ) ، أي : مع النظرية الحسّية والمذهب التجريبي ؛ ذلك أنّ ( باركلي ) فيه يعتبر مبدأ عدم التناقض حقيقة ثابتة ، ويستبعد من بداية الأمر إمكان التناقض في الواقع الموضوعي . وترتيباً على ذلك يستنتج من تناقض الإدراكات والتجارب الحسّية خلوّها من الواقع الموضوعي ، وغاب عنه أنّ مبدأ عدم التناقض ليس في المذهب التجريبي إلّامبدأ تجريبياً يدلّل عليه بالتجربة الحسّية ، فإذا كانت الإدراكات والتجارب متناقضة كيف صحّ لباركلي أن يؤمن بمبدأ عدم التناقض ، ويبرهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعي ؟ ! ولماذا لا يصحّ عنده وجود واقع موضوعي تتناقض فيه الظواهر والأشياء ؟ ! والحقيقة : أنّ ( باركلي ) استند - لا شعورياً - إلى فطرته الحاكمة بمبدأ عدم التناقض بصورة مستقلّة عن الحسّ والتجربة . ثالثاً - من الضروري أن نميّز بين مسألتين : إحداهما مسألة وجود واقع موضوعي للإدراكات والإحساسات ، والأخرى مسألة مطابقة هذا الواقع لما يبدو